الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

100

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

أيضا ولن يستطيع أحد أن ينصرني أو يدفع عني عذابه : قل إني لن يجيرني من الله أحد ولا أجد من دونه ملتحدا ( 1 ) وعلى هذا الأساس لا يستطيع أحد أن يجيرني منه تعالى ولا شئ يمكنه أن يكون لي ملجأ وهذا الخطاب يشير من جهة إلى الإقرار الكامل بالعبودية لله تعالى ، وإلى نفي كل أنواع الغلو في شأن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من جهة أخرى ، ويشير من جهة ثالثة إلى أنه الأصنام ليس فقط لا تنفع ولا تحمي ، بل إن نفس الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أيضا مع ما له من العظمة لا يمكنه أن يكون ملجأ من عذاب الله ، وينهى من جهة الذرائع والآمال للمعاندين الذين كانوا يطلبون من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يريهم المعاجز الإلهية ، ويثبت أن التوسل والشفاعة أيضا لا يتحققان إلا بإذنه تعالى . " ملتحدا " : هو المكان الآمن وهو من أصل ( لحد ) ، وتعني الحفرة المتطرفة ، كالذي يتخذ للأموات في عمق القبر حتى لا ينهال التراب على وجه الميت ويطلق على كل مكان يلجأ ويطمأن إليه . ومن الملاحظ أن الآية : قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا وقد جعلت الضر في قابل الرشد ، لأن النفع الحقيقي يكمن في الهداية ، كما في حديث الجن في الآيات السابقة إذ اتخذ الشر في قبال الرشد ، والاثنان متماثلان معا . ويضيف في الآية الأخرى : إلا بلاغا من الله ورسالاته ( 2 ) ، وقد مر ما يشابه هذا التعبير مرارا في آيات القرآن الكريم ، كما في الآية ( 92 ) من سورة المائدة : إنما على رسولنا البلاغ المبين . وكذا في الآية ( 188 ) من سورة لأعراف : قل لا أملك لنفسي نفعا ولا

--> 1 - قيل في سبب نزول هذا الآية : إن كفار قريش قالوا للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عد إلى ديننا لنجيرك فنزلت الآية جوابا على قولهم ( تفسير أبو الفتوح الرازي ، ج 11 ، ص 293 ) . 2 - بما أن البلاغ يتعدى ب‍ ( عن ) فقد قال البعض : إن ( من ) بمعنى ( عن ) ويتعلق بمحذوف تقديره ( كائنا ) فيكون المعنى ( إلا بلاغا كائنا من الله ) .